جامعة محمد الأول كلية الآداب والعلوم الإنسانية
الأستاذة: نجاة بطل
السنة الجامعية 2017 - 2018 السنة الجامعية 2016 - 2017
مبدأ التصويت والتقطيع والانتظام في حد الكلام
والذي نختاره في الكلام: أنه ما حصل فيه نظام مخصوص من هذه الحروف المعقولة، حصل في حرفين أو حروف، فما اختص بذلك وجب كونه كلاما، وما فارقه لم يجب كونه كلاما، وإن كان من جهة التعارف لا يوصف بذلك، إلا إذا وقع ممن يفيد أو يصح أن يفيد، فلذلك لا يوصف منطق الطير كلاما، وإن كان قد يكون حرفين أو حروفا منظومة.
والأصل في هذا الباب أن جنس الصوت قد يختلف الوجه الذي يحدث عليه، فقد يكون صوتا مفيدا غير مقطع، وقد يكون مقطعا في جنس واحد، وقد يكون مقطعا في جنس على وجه يتصل تارة في الحدوث وينفصل أخرى، وقد يحدث على وجه يكون حرفا وحروفا، وقد يحدث على وجه لا يوصف بذلك، كصرير الباب، وإن كان قد يكون من جنس بعض الحروف، وإنما تكشف الحروف بأن يحدث الصوت في بنية ومخارج مخصوصة، كبنية الفم وغيره.
وإذا صح ذلك وعقلنا مفارقة الصوت الذي ليس بحرف لما هو حرف منه، وعقلنا مفارقة الحرف للحروف، ومفارقة الحروف المنفصلة للمتصل منها، لم يمتنع أن نلقب ما كان حروفا منظومة على وجه مخصوص، بأن تترتب في الحدوث على وجه تتصل به ولا تنفصل، بأنه كلام، لنبينه من غير من الأجناس، ومن جنسه إذا وقع على غير هذا الوجه، كما أبنا العلم بكونه مما يقتضي سكون النفس إلى معلومة من غيره من الأعراض المخالفة والموافقة.
وإنما لم نقتصر في تحديد الكلام على أنه الحروف المنظومة، لأنه قد يكون كلاما وإن كان حرفين، كما يكون كلاما إذا كان حروفا.
وإنما لم نذكر في جملة الحد أنه أصوات مقطعة، لأنه لا يكون حروفا منظومة إلا وهي أصوات مقطعة، فذكر ذلك يغني عن ذكر الأصوات، ولأن الكلام لا يبين بكونه أصواتا مقطعة من غيره، لأنه قد يكون كذلك ولا يكون كلاما، ولا يكون حروفا منظومة دون ذكر الأصوات.
القاضي عبد الجبار: المغني، ج7، ص6-7.
لعل أول ما يلفت انتباهنا هو عنوان النص" مبدأ التصويت والتقطيع والانتظام في حدّ الكلام" فهو يعد بمثابة بوابة لكل المفاتيح التي سوف تكشف لنا عن تقنيات أو وسائل دراسة اللغة دراسة علمية.
فحينما نحلل مصطلح" تصويت""Phonation" نجد أنه عند القدماء كان يعني أن الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلا متصلا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته، فيسمى المقطع أينما عرض له: حرفا، إذن فالتصويت هو إخراج الأصوات الكلامية، لكن إذا رجعنا إلى الدراسات الحديثة مع بياجي أو F. Delle فكلمة «تصويت» Phonation مختلفة عن «نطق» articulation فالتصويت مكانه الحنجرة وهذا العضو هو مسؤول فقط عن الجهر والهمس، وصامتي الهمزة والهاء[ [Ɂh ، أما النطق فالأعضاء التي نوظفها فيه هي الحلق والفم والشفتين، ودائما تستعمل عضوا متحركا الذي هو اللسان مع عضو ثابت الذي هو الحنك إذا عند القدماء التصويت هو مرادف لعملية النطق أما الآن فنحن نميز بين «تصويت»"phonation" «ونطق» articulation.
أما التقطيع découpage فالمقصود به عند القاضي عبد الجبار هو ذلك الاختلاف الموجود في أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها، فمثلا قد تنطق الصوت من أقصى الحنك ثم تصل به إلى مقطع معين تجد له جرسا ما هنا تحس بصدى غير الصدى الأول وذلك نحو الكاف فإنك إذا قطعت بها أو نطقت بها سمعت لها صدى ما فإذا رجعت إلى القاف سمعت غيره، وإن جزت إلى الجيم سمعت غير ذينك الأولين.
مثلا حينما تنطق السين ثم بعدها تنطق الجيم تلاحظ أن اللسان قد تراجع إلى الوراء ذلك أن السين لثوية والجيم ما قبل حنكية أو حين تنطق الدال ثم بعدها تنطق الشين هنا اللسان يتراجع الخلف من هنا وجدنا الأصوات الحلقية والحنكية وألما قبل حنكية واللثوية والأسنانية أو البين أسنانية ثم الشفاهية فمثلا [p] الفرنسية و[b] العربية ننطقهما بين الشفاة.
أما مصطلح الانتظام فالمقصود به الكلام المؤلف المنظوم المتصل واتصاله يكون على ضروب لتبيان مراتب الفصاحة والتفاضل، وهذه الأشياء كلها نوظفها في عملية إنتاج الأصوات اللغوية.
إذا انتقلنا إلى الفقرة الأولى نلاحظ أن القاضي قد خصصها للحديث عن حد الكلام والذي يجب أن نسجله هو أن القدماء لم يميزوا بين "كلام" و"لغة" يقول الناظم.
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
واسم وفعل ثم حرف الكلم
أما ابن جني فيقول: "أما حدها فهي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" والمقصود هنا سواء عند ابن مالك أـو عند صاحب الخصائص اللغة.
وكل لغة لها نظامها الخاص بها فمن قوانين اللغة العربية مثلا أننا لا نستطيع تحديد الكلمة إلا من خلال السياق لأنها تتميز بجوامع الكلم أي عدد من المعاني للكلمة الواحدة فكلمة مولى قد تفيد الله سبحانه وتعالى(الله مولى الذين آمنوا) وقد تفيد السيد كما تفيد أيضا العبد، قاسط تعني ظالم في حين مقسط تفيد معتدل، بانت تفيد ظهرت كما تفيد أيضا اختفت(بانت سعاد).
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
متيم اترها لم يقد مكبول
وأيضا ضَرَب محمد زيدا/ضُرِبَ مثلٌ/ يضربون في الأرض: هنا اختلاف الشكل والبنية=اختلاف المعنى مثل فرض عليه فعل شيء معين أما فُرض فتعنى كُتب يقول سبحانه وتعالى "فُرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم".
ثم كلمة سأل يقول سبحانه وتعالى" واسأل القرية التي كانت حاضرة البحر" أي أهل القرية.
في هذه الفقرة يتحدث أيضا عن مسألة جد مهمة حينما يقول نظام (système) فاللغة عنده عبارة عن نظام معين أو خاص مثل ق+ل+م= قلم والذي يحدد المعنى هو عقل الإنسان اعتمادا على المنطق، هنا يفصح القاضي عبد الجبار عن المنهج العقلي وهو «منهج المعتزل»، بعد ذلك يبين أن حروف اللغة لها معنى دلاليا (sémantique) حيث يتطرق الحديث عن لغة الإنسان ولغة الحيوان لغة الإنسان لها نظامها الخاص ومن شروطها الإفادة وهي تختلف كل الاختلاف عن لغة الحيوان لأن الذي يميز الإنسان عن الحيوان هو العقل أولا ثم النطق.
فالطير مثلا قد يصدر مجموعة من الأصوات ولكن هذه الأصوات لا ترقى إلى مستوى النطق بينما الإنسان قد يعبر بكلمة واحدة وتسمى كلاما مثل استقم والتقدير، استقم أنت أو بحرف مثل ق – من فعل وقى و التقدير قـ أنت
ع- من فعل وعى (التقدير (ع أنت)
ر – من فعل رأى
أو بحرفين مثل قم/ضع/مل...
ومرجعنا في كل هذا قول الناظم "كلامنا لفظ مفيد كاستقم" لأن الفعل اللازم في العربية يحتاج فقط إلى الفاعل، فوظيفة استقم في تأدية المعنى هي نفس وظيفة أي فعل لازم مثل ع وف – لأننا نحتكم إلى العقل عكس العجماوات فتواصلها محدود un petit code très réduit وأصوات الطيور لا معنى لها لأنها غير منتظمة.
أما الفقرة الثانية فيبدأها بالحديث عن الأصل وفي هذا إشارة إلى أن دراسة اللغة تتضمن دائما ثنائية الأصل والفرع وبالطبع هذا يذكرنا بثنائيات سوسور فبنيوبة سوسور كلها تقوم على ثنائية اللغة والكلام الدال المدلول...
وهو حينما يبوب ويفصل يخلص إلى أن الصوت أو جنس الصوت ليست له صورة واحدة طبعا هذا ما يعرف في علم الفونولوجيا بالتلونات الصوتية، ذلك أن الصوت يتأثر بما قبله وما بعده وإذا كان الصامت يفرض صوائت معينة فالصوائت هي أيضا قد تؤثر في بعض الصوامت مثل لفظ الجلالة الذي قد يفخم فيه اللام وقد لا يفخم مثل "الله لا إله إلا الله هو "و"لله ملك السماوات والأرض فالصوت قد يؤثر ويتأثر وتتغير صفته من تركيب لغوي لآخر، وهنا يمكن الرجوع لعلم وظائف الأصوات هذا العلم الذي يهتم بدراسة الأصوات المركبة مثل صامت [b] في العربية قد تكون له عدة صور حسب موقعه في الكلمة نذكر باب بطة بوم بئر، فهنا في الحقيقة لا تتحدث عن باء واحدة وإنما عن مجموعة باءات، كما يمكننا أن نتطرق أيضا إلى مسألة مهمة وهي الفرق بين الصوت والحرف، فالصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلا متصلا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنية عن امتداده واستطالته فيسمى المقطع أو المخرج لأن المخرج عند علماء الأصوات هو "أين ينقطع النفس"les lieux d’articultion والمقصود بالتصويت عند الإمام هو إخراج الأصوات الكلامية.
الفقرة تتحدث عن المعنى الدلالي أي تشريح العملية الدلالية وأهميتها، وهذا يتطلب منا ناصية اللغة مع الأخذ بعين الاعتبار رتبة الألفاظ لأن لها أهمية قصوى في تحديد المعنى وقد استقر لدى العلماء العرب مفهوم اجتماعية الدلالة اللغوية.
وهناك أصوات مقطعة مثل ب ت ك وأصوات غير مقطعة مثل (أوى) أي حروف العلة (les glides) التي يجري فيها الهواء ويمتد والتأليف يعني الطريقة التي وضعت للفائدة ولو أنه تقطع لما أفاد لأن الأصل في الكلام هو إيصال معنى محددا مثله (مثل الأجسام المتصلة) فالكلام مؤلف منظوم متصل واتصاله قد يكون على ضروب لتبيان مراتب الفصاحة والتفاضل فيه وكل كلام لا معنى له لا فائدة منه لأن كل خلق لغوي هو من عمل الفرد لذا فنحن الآن نقول مثلا (القاموس اللغوي عند شاعر معين) وهذا القاموس يرتبط بهذا الشاعر دون غيره من الشعراء لأنه يظل من عمل هذا الشاعر فقط.
الفقرة الثالثة: هذه الفقرة تعتبر امتدادا للفقرة التي قبلها فهو يفرق بين الصوت والحرف ثم يبين الفرق بين الحروف فعند القاضي عبد الجبار الكلام هو الصوت الواقع على وجه أما الكتابة فهي إمارة الكلام، وأما أن تكون كلاما في الحقيقة فمجال، أما مفارقة الحرف للحروف معناها أنه مثلا ق+ل+م قلم.
فلا يمكن أن نصل إلى معاني هذه الكلمات إلا بفضل هذه المفارقة مثلا د+د+د لا تعطي أي معنى لكن د+خ+ل-تعطى معنى معينا الذي هو الدخول أما إذا غيرنا مواقع الحروف فالمعاني أيضا تتغير، يعني أن كل كلمة تأخذ بنية أو شكلا أخيرا وبفضل عملية التقليب فهذه الكلمة يمكن أن نشتق منها كلمات أخرى وهذا ما يؤدي إلى إثراء اللغة العربية التي تتميز بهذه الميزة المهمة. لأنه عند علماء اللغة هناك عدة ظواهر تؤدي إلى غنى اللغة مثل الزيادة في المبنى التي تساوي الزيادة في المعنى مثلا قتل هي غير قاتل فقتل تفيد معنى القتل" أما قاتل فتفيد المشاركة في القتل، والتفخيم أيضا مثل راج راج ساب صاب تاب طاب ذل ظل...
وكخلاصة نقول أن الأصوات هي المادة الخام للحروف فجنس الصوت (ونقول أيضا الأجناس الأدبية) مثل جنس البشر الذي كان نطفة ثم تطور والذي يضبط كل هذه الأمور العقل فنحن نفهم ونضبط النصوص انطلاقا من العقل.
الفقرة الرابعة: يتحدث عن نظرية النظم فإذا كان أصل الحروف هو الأصوات، فهي تكون مقطعة ثم تنتظم فتكون كلمات وجملا فحينما نقول ضرب محمد زيدا فالضرب وقع على زيد لكن حينما يقع أي تغيير في المبنى فهو يغير المعنى مثل ضرب محمد فهنا ننتقل من المبنى للمعلوم إلى المبنى للمجهول.
وبنية الكلمة مهمة في اللغة العربية مثلا:
"ولا تَنكحوا المشركين حتى يؤمنوا يعني لا تتزوجوا المشركين وهذا مرفوض عندنا نحن المسلمين لأنه محرم ولكن جملة " ولا تُنكحوا المشركين" حتى يؤمنوا" معناها ولا تزوجوا بناتكم للمشركين حتى يعتنقوا الإسلام فهي جملة مقبولة.
إذا فالكلام هو الحروف المنظومة وإن كان حرفين مثل قم أو حروفا مثل استغفر ربك أو حرفا واحدا مثل ع ق ر ...
الفقرة الأخيرة يعطي فيها وصفا دقيقا للغة فهي مثل السنفونية التي تكون عبارة عن أصوات حادة لكن ذلك الانسجام هو الذي يجعل منها لحنا عذبا وهذه الفقرة تلخص لنا ما يعرف الآن بالمنهج البنيوي فعملية الانتظام تسبقها عملية التقطيع فالطفل مثلا يصدر أصواتا ثم حروفا ومقاطع ثم كلمات وشرط الكلام هو الإفادة.
تماثل الدال والمدلول
فاعلم أن كل من طلب المعاني من الألفاظ، ضاع وهلك، وكان كمن استدبر المغرب وهو يطلبه.
ومن قرر المعاني أولا في عقله، ثم اتبع المعاني الألفاظ، فقد اهتدى، فلنقرر المعاني فنقول: الشيء له في الوجود أربع مراتب(الأولى) حقيقته في نفسه(الثانية) ثبوت مثال حقيقته في الذهن، وهو الذي يعبر عنه بالعلم (الثالثة) تأليف صوت بحروف تدل عليه، وهو العبارة الدالة على المثال الذي في النفس(الرابعة) تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر دالة على اللفظ وهو الكتابة فالكتابة تبع للفظ، إذ تدل عليه، واللفظ تبع للعلم، إذ يدل عليه، والعلم تبع للمعلوم، إذ يطابقه ويوافقه.
وهذه الأربعة متطابقة متوازية، إلا أن الأولين وجودان حقيقيان لا يختلفان بالأعصار والأمم، والآخرين وهما اللفظ، والكتابة، يختلفان بالأعصار والأمم، لأنهما موضوعان بالاختيار، ولكن الأوضاع وإن اختلفت صورها، فهي متفقة في أنها قصد بها مطابقة الحقيقة.
ومعلوم أن الحد مأخوذ من المنع، وإنما استعير لهذه المعاني لمشاركته في معنى المنع، فانظر المنع أين تجده في هذه الأربعة؟ فإذا ابتدأت بالحقيقة لم تشك في أنها حاصرة للشيء، مخصوصة به، إذ حقيقة كل شيء خاصيته التي له وليست لغيره، فإذا الحقيقة جامعة مانعة، وإنظرت إلى مثال الحقيقة في الذهن وهو العلم وجدته أيضا كذلك، لأنه مطابق للحقيقة المانعة والمطابقة توجب المشاركة في المنع، وإن نظرت إلى العبارة عن العلم وجدتها أيضا حاضرة، فإنها مطابقة للعلم المطابق للحقيقة والمطابق للمطابق مطابق، وإن نظرت إلى الكتابة وجدتها مطابقة للفظ المطابق للعلم المطابق للحقيقة، فهي أيضا مطابقة، فقد وجدت المنع في الكل.
(أبو حامد الغزالي: المستصفى من علم الأصول ج 1، ص 14-15)
تحليل النص
إذا حللنا هذا العنوان نجد ما يلي:
1-دلالة الألفاظ
2-بيان وجود دلالتها
وتماثل الدال والمدلول، هذه الثنائية التي تحدث عنها أبو حامد الغزالي خلال القرن 5 هـ(450هـ/550هـ) هي التي ما زالت محط اهتمام علماء اللغة الأوربيين أمثال سوسور أو الأمريكيين أمثال سابير خلال القرنيين(19م/20م).
يقول الإمام الغزالي: "فاعلم أن كل من طلب المعاني من الألفاظ، ضاع وهلك وكان كمن استدبر المغرب وهو يطلبه، ومن قرر المعاني أولا في عقله ثم اتبع المعاني الألفاظ فقد اهتدى.
نفهم من هذا الكلام أن المعاني لا تدل على الألفاظ ولكن العكس هو الصحيح، فالألفاظ هي التي تدل على المعاني وهنا يمكن الحديث عن ثلاثة أوجه متباينة.
1-دلالة الألفاظ على المعاني وهي الدلالة من حيث المطابقة، كالاسم الموضوع بإزاء الشيء وذلك كدلالة لفظ "الحائط" على الحائط يقول الله سبحانه وتعالى "إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة" -صدق الله العظيم- فلفظ بقرة: اسم جنس سيق ليدل على تمام ما وضع له حقيقة، وهو الحيوان المعروف، فأية بقرة كانت كافية لتنفيذ الأمر لو ذبحها بنو إسرائيل، ولكنهم شددوا على انفسهم في طلب التعيين، فشدد الله عليهم.
وكلمة أسد في جملة "رأيت أسدا يقاتل ضمن الصفوف قتال المستميت" فهذه الكلمة سيقت لتدل دلالة مجازية على تمام المعنى المجازي، وهو الإنسان الشجاع.
2- أن تكون الدلالة عن طريق التضمن، وذلك كدلالة لفظ "البيت" على الحائط ودلالة لفظ "الإنسان" على الحيوان الناطق- لأن لفظ إنسان موضوع لكائن فيه الحيوانية الناطقة – وكذلك دلالة كل "وصف أخص" على "الوصف الأعم الجوهري".
3-دلالة الالتزام والاستتباع، كدلالة لفظ "السقف" على "الحائط"، فإنه مستتبع له استتباع الرفيق اللازم الخارج عن ذاته ودلالة "الإنسان" على" قابل صنعة الخياطة وتعلمها".
واهتم العلماء قديما بدلالتي "المطابقة" و"التضمن" فقط أما الثالثة فرأوا أنها لا تنضبط ولا تنحصر ذلك أن اللفظ له أكثر من معنى وإذا ولجنا هذا الباب فسينتهي بنا الأمر إلى ما لا نهاية له من المعاني مثل معاني فعل "ضرب". أو قول الشاعر:
طويل النجاد رفيع العماد
كثير الرماد إذا ما شتا
فطويل النجاد تعني طويل القامة، رفيع العماد تعني ارتفاع بنيته ومكانته وسط القبيلة وكلمة رماد تعني كثير الجود والكرم وهذه اللوازم كلها لوازم عرفية لا عقلية (ونصنفها ضمن دلالة الالتزام).
ويقول سبحانه وتعالى" وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم" فإن قوله تعالى "فإن الله غفور رحيم" الواقع في جواب الشرط يدل عن طريق الدلالة الالتزامية على أن الله يغفر لكم ويرحمكم إن أنتم عفوتم وصفحتم وغفرتهم مع العلم أن هذا المعنى غير مدلول عليه بمنطوق اللفظ لأن المدلول هنا غير محدود ولا محصور، وأنا سقت هذه الأمثلة لأوضح مدى اهتمام علماء اللغة القدامى بأهمية اللفظ والمعنى.
هذا بالنسبة لدلالة الألفاظ أما بالنسبة للألفاظ في إطار علاقتها بعموم المعنى وخصوصه فالإمام الغزالي يرى أن اللفظ ينقسم إلى قسمين:
1-جزئي: وهو ما يمنع نفس تصور معناه عن وقوع الشركة في مفهومه كقولك:" زيد" و"هذه الشجرة" و"هذا الفرس" فإن المتصور من لفظ "زيد" شخص معين لا يشاركه غيره في كونه مفهوما من لفظ "زيد".
2-الكلي: وهو الذي لا يمنع نفس تصور معناه عن وقوع الشركة فيه، فإن امتنع امتنع لسبب خارج عن نفس مفهومه ومقتضى لفظه كقولك "الإنسان" و"الفرس" و "الشجر" وهي أسماء الأجناس والأنواع والمعاني الكلية العامة، وهو جار في كلام العرب.
يقول الإمام الغزالي:" فلنقرر المعاني: الشيء له في الوجود أربع مراتب: الأولى حقيقته في نفسه، الثانية ثبوت مثال حقيقته في الذهن، وهو الذي يعبر عنه بالعلم (الثالثة) تأليف صوت بحروف تدل عليه وهو العبارة الدالة على المثال الذي في النفس (الرابعة) تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر دالة على اللفظ، وهو الكتابة فالكتابة تبع للفظ، إذ تدل عليه، واللفظ تبع للعلم إذ يدل عليه، والعلم تبع للمعلوم إذ يطابقه ويوافقه، وهذه الأربعة متطابقة متوازية، إلا أن الأولين وجودان حقيقيان لا يختلفان بالأعصار والأمم لأنهما موضوعان بالاختيار ولكن الأوضاع وإن اختلفت صورها فهي متفقة في أنها قصد بها مطابقة الحقيقة.
فهذه الفقرة هي التي يخصصها الإمام الغزالي لبيان رتبة الألفاظ من مراتب الوجود وهو يحددها في أربع مراتب واللفظ يضعه في الرتبة الثالثة:
إن للشيء وجود في الأعيان
ثم في الذهان
ثم في الألفاظ
ثم في الكتابة
فالكتابة دالة على اللفظ، واللفظ دال على المعنى الذي في النفس والذي في النفس هو مثال الوجود في الأعيان، والإمام الغزالي يؤكد وجوب ثبوت الشيء في نفسه يعني يجب أن يرسم له مثال في النفس فمثلا حينما أقول تفاحة اعرف أنها نوع من الفاكهة مستديرة ذات لون معين: أحمر أو أصفر أو أخضر... فهذا الشيء يجب أن يكون لنا علم به.
والمقصود بالعلم عند الإمام الغزالي أنه مثال يحصل في النفس مطابق لما هو مثال له في الحس ولكن الذي يجب التنبيه عليه أنه حينما يتقيد بقوله (في الحس) يجعل التعريف قاصرا على العلم بالمحسوسات ولو قال بدله (لما هو مثال في الواقع) لكان التعريف شاملا لجميع أفراد المعرف.
أما إذا لم يظهر لهذا الشيء أثر في النفس فلا يمكن أن نجد له ألفاظا وهذا يذكرنا بنظرية النظم عند الجرجاني، فاللفظ يجب أن ينتظم يعني ترتب فيه الأصوات والحروف التي تعطي معنى معينا (un concept) بعد هذه المرحلة تصل إلى عملية التدوين والكتابة.
×1 + ×2 + ×3 ← معنى معينا
ض + ر+ ب ← ضرب
ق+ ل+ م ← قلم
والوجود في الأعيان والأذهان لا يختلفان باختلاف البلاد والأمم بخلاف اللفظ والكتابة، فهذه الفقرة يخصصها لبيان رتبة الألفاظ كما يركز فيها على السمعي البصري ويتحدث عن وظيفة الصوت وهي وضع الرمز اللغوي، ودور الكتابة أي نقل الرمز اللغوي وطبعا هذا مرتبط بالعامل النفسي وحتى سوسور يقول أن الدال يدرك حسيا والمدلول يدرك عقليا. حينما يقول سبحانه وتعالى: "واسأل القرية التي كنا فيها" فالمقصود أهل القرية وعند الإمام الغزالي فإن الألفاظ لها دلالات في النفوس، وما في النفوس مثال لما في الأعيان وفي نهاية هذه الفقرة يشير إلى مسألة أرقت علماء اللغة وهي هل اللغة وقفية أي أن الله حينما خلق آدم زوده باللغة انطلاقا من قوله عز وجل" وعلم آدم الأسماء كلما" أي أن هذه اللغة هي إلهام من عند الله عز وجل. أم هي وضعية أي أن هناك جماعة من الناس تواضعت فيما بينها، ولكن هنا كيف تواضعت وبأي طريقة تواصلت، وهذا نستشفه من خلال كلمة الأوضاع ثم هو يبين لنا أن هذه الأوضاع هي مختلفة الصور فالعربية لها رموزها والعبرية لها رموزها والإنجليزية كذلك....
وتبقى هذه الأوضاع وإن اختلفت صورها إلا أنها متفقة في أنها قصد بها مطابقة الحقيقة وهذا يذكرنا بقول ابن جني اختلاف اللغات وكلها حجة لأن وظيفة اللغة هي إيصال المعنى وحينما تحصل الإفادة فنحن نسكت عن الكلام.
أما الفقرة الأخيرة فهو يخصصها للحديث عن الحد والمنع والمقصود بالمنع عند علماء اللغة هو طلب الدليل على ما يحتاج إليه الاستدلال أي التصديق النظري وطلب التنبيه على ما يحتاج إليه وهو التصديق البديهي الخفي، أما الحد فهو التعريف الشامل المانع، وحد الأشياء يعني مبتغى الأشياء.
وهو يبحث في هذه المراتب الأربعة ليرى أين يمكننا أن نجد المنع، فيقرر أن حقيقة الشيء هي مرتبطة بالشيء نفسه أي تلك الخاصية التي تميزه عن غيره فمثلا حينما أقول «شجرة» فهناك خصائص تميز هذه الشجرة عن غيرها، وحينما أقول «كتاب» فهناك أيضا خصائص تميزه عن غيره، فتعريف أو حد الشيء هو مجموعة من الخصائص التي تميزه عن غيره.
والمقصود بالعلم في هذه الفقرة هو "مثال يحصل في النفس مطابق لما هو مثال له في الحس، أما المعلوم، فهو المحسوس الذي ينطبع في النفس مثال له، وهذا شيء ضروري لأن الشيء ما لم ينطبع في النفس مثال له لا يكون معلوما وإن كان قابلا لأن يعلم وما لم يظهر هذا الأثر في النفس لا ينتظم لفظ يدل على ذلك الأثر وما لم ينتظم اللفظ الذي ترتب فيه الأصوات والحروف لا ترتسم كتابة للدلالة عليه".
إذا رجعنا إلى كلام العرب نجده يتكون من فعل واسم وحرف يقول صاحب الألفية:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم *** واسم وفعل ثم حرف الكلم
فالاسم: صوت دال بتواطؤ مجرد عن الزمان والجزء من أجزائه لا يدل على انفراده ويدل على معنى محصل والحد مركب من الجنس والفصل ونذكر الفصول للاحترازات، فقولنا (صوت) جنس، وقولنا (دال) فصل يفصله عن العطاس والنحنحة والسعال وأمثالها وقولنا (بتواطؤ) يفصله عن (نباح الكلب)، فإنه صوت دال على ورود وارد ولكن بتواطؤ.
وقولنا (مجرد عن الزمان) فهو يميزه عن الفعل نحو قولنا (يقوم) و(قام) و(سيقوم) فإن كل واحد: صوت دال بتواطؤ.
وقولنا "الجزء من أجزائه لا يدل على انفراده" يميزه عن المركب التام فمثلا زيد حيوان تختلف عن سيبويه وعبد الله.
وقولنا (يدل على معنى محصل) احترازا عن الأسماء التي ليست محصلة، كقولنا (لا إنسان) فإنه قد يدل على الحجر أو الشجر أو البقر يعني كل شيء ليس بإنسان، فليس له معنى وإنما هو دليل على نفي الإنسان لا على الإثبات.
وأما الفعل: وهو صوت دال بتواطؤ، على الوجه الذي ذكرناه في الاسم إنما يباينه في أنه يدل على معنى وقوعه في زمان كقولنا قام ويقوم، وليس يكفي في كونه (فعلا) أنه يدل على الزمان فحسب، فإن قولنا أمس واليوم ومضرب الناقة – تدل على الزمان لكن لا تدل على (الفعل) حيث أن الفعل يدل على (معنى) و (زمان) يقع فيه المعنى
إذا الفرق بين (الاسم) و (الفعل) تضمن معنى (الزمان فقط).
وأما الحرف: وهو الأداة، فهو كل ما يدل على (معنى) لا يمكن أن يفهم بنفسه وإنما يجب أن يقترن بغيره.
تحديد اللغة
ما هو موضوع الألسنية الظاهر والمتكامل في الوقت نفسه؟ إن هذه المسألة صعبة، بصورة خاصة، وسنرى ما سبب ذلك في ما بعد، ولنقتصر، هنا، على تبيان هذه الصعوبة.
إن علوما أخرى تجري أبحاثها على مواضيع معطاة سلفا وبالإمكان لاحقا أن ننظر إليها من وزايا مختلفة، أما في مجالنا فلا شيء يشبه ذلك، يلفظ أحدهم مثلا، الكلمة الفرنسيةnu يميل المراقب السطحي إلى أن يرى فيها موضوعا ألسنيا ظاهرا، إلا أننا إذا أمعنا النظر فيها مليا، نجد فيها تباعا ثلاثة أو أربعة أشياء مختلفة تمام الاختلاف، وتبعا للطريقة التي ينظر بها إليها: كصوت، أو كتعبير عن فكرة، أو كمقابل للكلمة اللاتينية nudum إلخ.
وعلى نقيض أن الموضوع يسبق وجهة النظر، قد نقول إن وجهة النظر ربما أوجدت الموضوع، ومع ذلك، لا شيء يقول لنا مسبقا إن واحدة من الطرائق التي ننظر وفقها إلى القضية المعنية، سابقة الطرائق الأخرى أو أفضل منها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الظاهرة الألسنية أيا كانت الطريقة التي نتبناها تنطوي دائما على وجهين اثنين يتناسبان، ولا قيمة للوجه الواحد إلا بالآخر، مثلا.
1-إن المقاطع التي نتلفظ بها انطباعات سمعية تلتقطها الأذن، لكن الأصوات لا وجود لها من دون الأعضاء الصوتية، وهكذا فإن / /nلا تقوم إلا بتناسب هاتين الظاهرتين، فنحن، إذا، لا نستطيع اختصار اللغة بالصوت ولا فصل الصوت عن التلفظ بواسطة الفم، وبالمقابل، فإنه لا يمكن تحديد حركات الأعضاء الصوتية إذا وضعنا الانطباع السمعي جانبا.
2-ولكن لنسلم جدلا بأن الصوت شيء بسيط: فهل هو الذي يكون الملكة اللغويةlangage ، كلا فما هو سوى أداة الفكر ولا وجود له لذاته، هنا يبرز تناسب جديد وخطير: فالصوت الذي هو وحدة سمعية – صوتية معقدة، يؤلف، بدوره، مع الفكر، وحدة معقدة فيزيولوجية وذهنية، وهذا ليس كل شيء بعد.
3-إن للمملكة اللغوية جانبا فرديا وآخر اجتماعيا، ولا نستطيع أن ندرك الواحد دون الآخر بالإضافة إلى ذلك:
إن الملكة اللغوية في كل لحظة، تنطوي، في الوقت نفسه، على تنظيم قائم وعلى تطور، وفي كل لحظة هي مؤسسة حالية ونتاج للماضي، ويبدو للوهلة الأولى، أنه من السهل جدا أن نميز بين هذا التنظيم وبين تاريخه، أو بين ما هو عليه وبين ما كان عليه، في الواقع، إن الصلة التي تجمع بين هذين الشيئين هي من المتانة بحيث يصعب فصمها، فهل تصبح المسألة أكثر بساطة إذ تناولنا الظاهرة الألسنية من حيث منشؤها، وإذا بدأنا، مثلا، بدراسة لغة الأطفال.؟ كلا إنه من الخطأ الشديد أن نعتقد، في ما يتعلق باللغة، أن مسألة المنشأ تختلف عن مسألة الشروط الدائمة، إذا لا تخرج من الدائرة.
وهكذا فإن موضوع الألسنية الكامل لا ينكشف لنا أيا كانت الجهة التي نعالج منها المسألة، وفي شتى الأحوال نحن أمام هذا الخيار المزدوج، إما أن نلتزم بجانب واحد من كل مسألة، فنتعرض لخطر عدم أدراك الثنائيات المشار إليها أعلاه وإما أن ندرس الملكة اللغوية من جوانب عديدة وفي آن واحد، فيبدو لنا موضوع الألسنية بمثابة كومة مبهمة من الأشياء المختلطة التي لا صلة في ما بينها، وحين ننهج هذا النهج نفتح الآفاق أمام علوم عديدة – كعلم النفس والأنتروبلوجيا والقواعد المعيارية، وفقه اللغة إلخ، هذه العلوم التي نفصلها بصورة دقيقة، عن الألسنية والتي بواسطة منهج خاطئ، بإمكانها أن تطالب بالملكة اللغوية كموضوع من مواضيعها.
فردينان دي سوسور
تحليل النص
يعتبر سوسور أب اللسانيات المعاصرة فبالرغم من أن اتجاهه الأول كان نحو دراسة العلوم لكنه شغف بدراسة اللغة لذا فإن إنتاجاته كلها ارتبطت باللسانيات لدرجة أن أسس هذا العلم أصبحت تخضع لما نظر له سوسور لأنه أمد كل من أتى بعده بالأسس المنجية حتى أطلق عليه بنفينست "إنسان الأسس" وكتابه "دروس في اللسانيات العامة"- طبعا الذي دونه هم تلاميذته Bally Cechelaye-يعتبر مرجعا أساسا لكل مهتم بالحقل اللغوي.
في البداية أود أن أدرس عنوان النص "تحديد اللغة" فمصطلح تحديد نعرف أنه التعريف الشامل المانع وهو مصطلح قديم مثلا يقول ابن جني في تعريفه للغة" "أما حدها فهي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" هذا بالنسبة إلى الحد. أما كلمة لغة فنحن نعرف أنها موضوع علم اللغة عند سوسور فقد ميز بين ثلاثة مستويات
1-دراسة اللغة في ذاتها
2-التفرقة بين اللغة والكلام
3-الدراسة الوصفية والتاريخية
وقد ميز سوسور بين اللغة كظاهرة اجتماعية langage واللغة المعينة التي تكون موضوعا للدراسة كالعربية مثلاlangue ثم الكلام، الذي ينظر إليه كنشاط عضلي صوتي فردي parole فهناك قسم اجتماعي مستقل عن الفرد langue وقسم فردي أي الكلام المكون من أصوات اللغة في ارتباطها بوظيفتها التي هي التواصل فتتحول إلى مؤسسة، وهذا يذكرنا بابن جني الذي قال أيضا بالوظيفة الاجتماعية للغة. بخصوص فقرات النص فهو في البداية يطرح الإشكالية الرئيسة أي موضوع الألسنية لأن لسانيات القرن19 اتسمت بتفسير تاريخي للوقائع اللغوية فقبل سوسور، كان التركيز على: التفسير المقارن/ النحو/ النحو المقارن/ والفيلولوجيا لكن الدرس اللساني أخذ منحى جديدا مع سوسور فمنهجه البنيوي فرض عليه حصر مهمة اللسانيات في ثلاث نقط حتى يستطيع فصل اللسانيات عن العلوم فتوصل إلى النتائج التالية:
*وصف كل الألسنة والتأريخ لها (العائلات اللسانية) وإعادة بناء الألسنة الأصول لكل عائلة وهنا أخذ بعين الاعتبار الألسنة القديمة والمتوحشة والكلاسيكية والحديثة.
*البحث عن القوى الفاعلة في كل الألسنة واستنباط القوانين العامة.
*تمييز اللسانيات عن باقي العلوم وتحديدها لنفسها بنفسها
وسوسور يقول بدراسة اللغة في ذاتها ولذاتها فهي موضوع العلم.
ثم في الفقرة الموالية يبين أن جميع العلوم مواضيعها تكون محددة سابقا ثم نعمل على تطويرها انطلاقا من مكامن الخلل أي نرى الجانب أو الزاوية التي تحتاج للدراسة، عكس اللغة لأنها معقدة وغير متجانسة.
فقد ندرس المعنى أو القواعد وقد ندرس لغة من اللغات أو لهجة من الجهات في وقت محدد أو فترات متعاقبة وقد ندرس الأصوات أو الدلالة لأن المهم في الكلمة ليس الصوت بل الاختلافات الصوتية لأنها تنقل لنا المعنى، ثم عن ماذا نريد أن نبحث هل الأصوات أو المعجم أو الصرف أو النحو أو الترجمة ... خاصة وأننا نعرف أن الكلمة لا تكتسي دلالة فحسب بل قيمة أيضا كما أن الكلمات تحدد بعضها البعض فقد تعتبرها متوالية من الأصوات أو تعبيرا عن فكرة تناسب لفظة ما في لسان آخر أو مقاطع وكما أن العملات قابلة للتبادل فاللغات قابلة للترجمة وسوسور يقول أن اللسان ليس وثيقة أو وسيلة إنه هدف، فاللسانيات موضوعها اللسان ومنهجها الوصف واللسان ينظر إليه كشكل لا كمادة لأنه فعل اجتماعي لكن نسقه مختلف عن الظواهر الاجتماعية والنفسية ونحن ندرس اللسان لمعرفة قوانينه، فمثلا قيمة القطعة النقدية ليس المعدن وقيمة الشيكات ليست تلك الأوراق ولكن ما تمثله أو تحمله.
إذا لا ينبغي خلط القيمة بالعنصر الملموس يقول هيلمسليف الشكل هو الذي يشكل القيمة والثابت والمادة هي التي تحتوي المتغيرات وكمثال الكلمة الفرنسية /nu/ فالمهم هنا ليس هو الصوت بل الاختلافات الصوتية لأنها هي التي تنقل الدلالة فتأسيس قطعة ما من اللسان رهين بعدم تطابقها مع باقي القطع. الدلالات لا تشتغل بقيمتها الداخلية بل باعتبار موقعها النسبي، فمثلا عندنا في العربية.
دخل محمد – جملة فعلية
محمد دخل – جملة إسمية
مثلا كلمة لهب ومنها لهيب النار حينما يمسك في الشيء يفرغه لأن حرف الهاء يفرغ فيكون معنى لهب تفريغ الأشياء وإفسادها لدرجة أنك لا تستطيع إرجاعها صيغتها الأولى لأن الشيء أصبح متلاشيا والسبب حرف الهاء الذي يوجد في وسط الكلمة، وكذلك يفعل لهيب النار بالورقة مثلا أو الثوب أو جسد الإنسان الذي يصبح رمادا، من هنا كان لكلمة لهب أي ل+هـ+ب= معنى معينا لهب والتي تعني مفسد ونحن نعرف الفرق بين فسد ومفسد وقالت العرب قديما الزيادة في المبنى تساوي الزيادة في المعنى.
كما أن مفاهيم لغة ما ومدلولاتها تختلف عن مفاهيم لغة أخرى فالكلمة أو الجملة أثلجت صدري تعني بشرتني أو افرحتني عندنا لكن مثلا في فرنسا تعني دمرتني أما في الفقرتين الثالثة والرابعة نرى أن سوسور يفرق بين وجهة النظر والموضوع، ونقول هنا أن سوسور شعر بأن موضوع اللسانيات يختلف عن موضوعات بعض العلوم ثم هو يتحدث عن مبدا الثنائيات كاللغة والفكر اللغة والكلام..
وحينما ننتقل إلى الفقرة الخامسة فأنا أقول أنه يمكن دراستها في ضوء ما نعرفه عن "اللغة المتمفصلة" "double articulation du langage" فالتمفصل يمكن أن يعني أحد أمرين:
*إما تقسيمها فرعيا للسلسلة الكلامية أي إلى مقاطع
*وإما تقسيمها فرعيا لسلسلة الدلالات- أي إلى وحدات دلالية
وهذا التعريف أي الثاني يعني ملكة تكوين نسق دلائل متميزة مناسبة لأفكار معينة.
إذن هناك تناسب بين مظهرين الشيء الذي يستحيل معه اختزال اللسان إلى الصوت كما يستحيل انفكاك الصوت عن التقطيع الفموي، ويتعذر أيضا تحديد حركات أعضاء النطق إذا ما جردناها عن الانطباع الفيزيائي السمعي.
كما يشير هنا أيضا إلى تشريح الدورة الكلامية
-القسم الفيزيائي ويتعلق بالموجات الصوتية
-القسم الفيزيولوجي ويشمل التصويت (phonation) والسمع أيضا (articulation)
-القسم النفسي: هو عبارة عن صور كلامية وتصورات وهو يرى أننا بحاجة لأعضاء النطق وأن المقاطع هي انطباعات فيزيائية مدركة بواسطة الإذن. هنا نلاحظ سيطرت المنهج العلمي – علم الفيزياء- أما بخصوص الفقرة السادسة فهو يخصصها لدراسة العلاقة الموجودة بين المملكة اللغوية langage والصوت وبعبارة أخرى هل الصوت هو العنصر المكون للغة ثم يجيب بالنفي، الصوت ليس سوى أداة للفكرة الصوت وحدة مركبة فيزيائية نطقية لأن الكلام هو عبارة عن صور ذهنية تكون لدى الإنسان مجموعة من الأفكار ثم يريد أن يعبر عنها طبعا بواسطة الألفاظ أو الكلمات وهذا يذكرنا برأي الإمام الغزالي في كتابه المستصفى حيث يبين أن الشيء له وجود في الأعيان ثم في الأذهان ثم في الألفاظ وأخيرا في الكتابة وهذه الأشياء كلها مترابطة فيما بينها إذا وكما سبق وأن أشرت فالصوت عند سوسور وحدة مركبة فيزيائية نطقية.
ثم يوضح في الفقرة الموالية أن اللغة لها جانب فردي مكون من أصوات وقسم اجتماعي مستقل عن الفرد langue وهنا يمكن القول أن اللغة في ارتباطها بوظيفتها التي هي التواصل تتحول إلى مؤسسة وهذا ما يشرحه في الفقرة ألما قبل الأخيرة حيث يوضح أن اللغة في نفس الآن نسق موضوع وتطور ومؤسسة راهنة ونتاج ماض والعلاقة بينهما وثيقة جدا إلى حد يصعب معه الفصل بينهما، اللغة وقائع مادية متنوعة المكونات مختلفة الأشكال وذات وقائع غير متآلفة إنها التعدد لا الوحدة.
والذي أريد أن أشير إليه هو أن الذي جعل سوسور يهتم بلغة الأطفال هو: إنها أولا شفاهية وسوسور يعطي الأولوية للمنطوق على حساب المكتوب، ثانيا لأنه يؤمن بتطور اللغة وهذا التطور يريد أن يربطه بتطور القاموس اللغوي عند الطفل.
وفي الفقرة الأخيرة يوضح أن هذا التعدد يجعلنا لا نعرف كيف وأين نصنف اللغة مادامت موزعة بين مجموعة من العلوم وإذا رجعنا إلى كتبنا القديمة نرى أن علماء اللغة اهتموا بلغة الطبيب ولغة الفقيه ولغة المعلم ولغة المهندس المعماري ولغة النجار ولغة الحداد...
وكخلاصة نقول أن بنيوية سوسور تعمل على تفكيك اللغة وتحليلها إلى مجموعة من المظاهر التي تتكون فتبين له السبب الذي يفسح المجال أمام معالجة العلوم المجاورة لبعض جوانب اللغة، وأثناء تحليله للغة وتشريحها توصل إلى أنها مركبة من وحدات مختلفة ومتباينة، واللسان عنده يتعارض مع اللغة فهو لا يلتبس بها وإن كان جزءا أساسيا منها، إنه في آن واحد نتاج جماعي لملكة اللغة، فعند سوسور اللغة مفتوحة على الخارج أما اللسان فهو كل في ذاته، إنه فضاء منسجم داخلي.
Commentaires
Enregistrer un commentaire